الفيض الكاشاني

44

عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار

يتعاضدان ، بل يتّحدان ، ولكون الشرع عقلا من خارج . سلب اللّه اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن ، نحو : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ « 1 » . ولكون العقل شرعا من داخل ، قال تعالى في صفة العقل : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 2 » ، فسمى العقل دينا . ولكونهما متّحدين قال : نُورٌ عَلى نُورٍ ، أي نور العقل ، ونور الشرع ، ثمّ قال : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ « 3 » ، فجعلهما نورا واحدا ، فالعقل إذا فقد الشرع عجز عن أكثر الأمور ، كما عجزت العين عند فقد النور . واعلم أنّ العقل بنفسه قليل الغناء ، لا يكاد يتوصّل إلّا إلى معرفة كلّيات الشيء ، دون جزئياته ، نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق ، وقول الصدق ، وتعاطي الجميل ، وحسن استعمال المعدلة ، وملازمة العفّة ، ونحو ذلك ، من غير أن يعرف ذلك في شيء شيء . والشرع يعرّف كلّيات الشيء وجزئياته ، ويبيّن ما الّذي يجب أن يعتقد في شيء شيء ، وما الّذي هو معدلة في شيء شيء ، ولا يعرف العقل - مثلا - أنّ لحم الخنزير والدم والخمر محرّمة ، وأنّه يجب أن يتحاشى من تناول الطعام في وقت معلوم ، وأن لا ينكح ذوات المحارم ، وأن لا يجامع المرأة في حال الحيض ، فإنّ أشباه ذلك لا سبيل إليها إلّا بالشرع ، فالشرع نظام الاعتقادات

--> ( 1 ) - سورة البقرة ، الآية 171 . ( 2 ) - سورة الروم ، الآية 30 . ( 3 ) - سورة النور ، الآية 35 .